الغزالي

95

إحياء علوم الدين

فإن كان الماء يتحرك بطبعه إلى أسفل ، فكيف تحرك إلى فوق ؟ فإن كان ذلك بجذب جاذب فما الذي سخر ذلك الجاذب ؟ وإن كان ينتهى بالآخرة إلى خالق السماوات والأرض ، وجبار الملك والملكوت ، فلم لا يحال عليه من أول الأمر ؟ فنهاية الجاهل بداية العاقل [ التفكر في ملكوت السماوات ] ومن آياته ملكوت السماوات والأرض وما فيها من الكواكب ، وهو الأمر كله ومن أدرك الكل وفاته عجائب السماوات فقد فاته الكل تحقيقا . فالأرض ، والبحار ، والهواء ، وكل جسم سوى السماوات بالإضافة إلى السماوات قطرة في بحر وأصغر . ثم انظر كيف عظم الله أمر السماوات والنجوم في كتابه ، فما من سورة إلا وتشتمل على تفخيمها في مواضع . وكم من قسم في القرءان بها ، كقوله تعالى * ( والسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ) * « 1 » * ( والسَّماءِ والطَّارِقِ ) * « 2 » * ( والسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ) * « 3 » * ( والسَّماءِ وما بَناها ) * « 4 » وكقوله تعالى * ( والشَّمْسِ وضُحاها والْقَمَرِ إِذا تَلاها ) * « 5 » وكقوله تعالى * ( فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ ) * « 6 » وقوله تعالى * ( والنَّجْمِ إِذا هَوى ) * « 7 » * ( فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وإِنَّه ُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) * « 8 » فقد علمت أن عجائب النطفة القذرة عجز عن معرفتها الأولون والآخرون ، وما أقسم الله بها ، فما ظنك بما أقسم الله تعالى به ، وأحال الأرزاق عليه ، وأضافها إليه ، فقال تعالى * ( وفي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وما تُوعَدُونَ ) * « 9 » وأثنى على المتفكرين فيه فقال * ( ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * « 10 » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « ويل لمن قرأ هذه الآية ثمّ مسح بها سبلته » أي تجاوزها من غير فكر . وذم المعرضين عنها فقال * ( وجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ ) * « 11 » فأي نسبة لجميع البحار والأرض إلى السماء ، وهي متغيرات على القرب والسماوات صلاب شداد ، محفوظات عن التغير إلى أن يبلغ الكتاب أجله . ولذلك سماه الله تعالى محفوظا

--> « 1 » البروج : 1 « 2 » الطارق : 1 « 3 » الذاريات : 7 « 4 » الشمس : 5 « 5 » الشمس : 1 ، 2 « 6 » التكوير : 15 « 7 » : النجم 1 « 8 » الواقعة : 75 ، 76 « 9 » الذاريات : 22 « 10 » آل عمران : 191 « 11 » الأنبياء : 32